الشيخ محمد الصادقي
213
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » « 1 » . « وَكَذلِكَ » الذي ترى طول الرسالات « جَعَلْنا » ولكنهم ليسوا ليضروا اللَّه شيئاً ، ولا رسلَ اللَّه ولا المؤمنين باللَّه « وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً » برسوله وكتابه تشريعاً ، وبما يوفق المؤمنين به تكويناً « وَنَصِيراً » لهم في معارك الشيطنات « إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً » . ان هدايته تعالى لطلابها ونصرته هنا ذات أبعاد : بُعد الحفاظ على الاختيار ، ألّا يُسيِّر أعداء النبوات على ترك عدائهم ، وبُعد الحجة البالغة الغالبة على طول خط الرسالات ، غير المغلوبة على أية حال ، ومن ثم حكمة بالغة هي أيضاً هدى ونصرة للمؤمنين وضلال للكافرين ، أن لو كانت الدعوات الرسالية سهلة ميسورة دون منازع ، فهي تسلك طرقاً ممهدة دون خصوم ، لسهل على كل إنسان أن يكون صاحب دعوة ، مع ما يكسب على ضوئها من منصب عظيم ، ولا اختلطت - إذاً - دعاة الحق بدعاة الباطل أكثر مما هو ، ووقعت البلابل والفتن أكثر مما هي ! . ولكن بروز الخصوم لهذه الدعوات الرسالية ، يضمن كفاحاً لانتصارها ، ويجعل آلامها لها وَقوداً ، فلا يكافح ويحتمل الآلام والبليات - في الأكثرية الساحقة - إلّا أصحاب الدعوات الحقة ، الذين يؤثرون تحقيق الحق على المتاع والدعة الراحة ، ولا يتصلَّب على ذلك الكفاح المرير إلّا أصلبهم عوداً ، وأقواهم وَقوداً ، وأكثرهم تطلعاً إلى ما عند اللَّه ، وعندئذ تمضي دعوة الحق وتمشي في طريقها برجالها الثابتين عليها ، الأمناء فيها ، المؤدون ضرائبها بكل غال ورخيص ، وقد حفزت الشدائد والمخاوف كل طاقاتهم وإمكانياتهم .
--> ( 1 ) . 22 : 54